ابن الجوزي
544
كتاب ذم الهوى
فأرسل إليها فأجابته ، فكان يأتيها فيتحدث إليها ، فلما أراد جدّه الرحيل جعل الفتى يتأبّى ، فقال له جده : ما يبكيك يا بني ؟ لعلك ذكرت مصر . وكانوا من أهل مصر . فقال : نعم . وأنشأ يقول : يسائلني غداة البين جدّي * وقد بلّت دموع العين نحري أمن جزع بكيت ذكرت مصرا ؟ * فقلت : نعم ، وما بي ذكر مصر ولكن للتي خلّفت خلفي * بكت عيني وقلّ اليوم صبري فمن ذا إن هلكت وحان يومي * يخبّر والدي دائي وخبري فيحفظ أهل مكة في هواي * وإن كانوا إلى قتلي وضرّي قال : فارتحلوا . فلما خرجوا عن أبيات مكة أنشأ يقول : رحلوا وكلّهم يحنّ صبابة * شوقا إلى مصر وداري بالحرم ليت الرّكاب غداة حان فراقنا * كانت لحوما قسّمت فوق الوضم « 1 » راحوا سراعا يعملون مطيّهم * قدما وبتّ من الصّبابة لم أنم طوبى لهم يسعون قصد سبيلهم * والقلب مرتهن ببيت أبي الحكم ثم إن الفتى اعتلّ واشتدت علته ، فلما وردوا أطراف الشام مات الفتى ، فدفنه جده ، ووجد عليه وجدا شديدا ، وقال يرثيه : يا صاحب القبر الغريب * بالشام من طرف الكثيب لما سمعت أنينه * ونداءه عند المغيب أقبلت أطلب طبّه * والموت يعضل بالطبيب أخبرتنا شهدة ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : وذكر أبو عمرو بن حيّويه ، ونقلته من خطه ، قال : أنبأنا أبو بكر محمد بن خلف ، قال : أخبرني أبو بكر
--> ( 1 ) الوضم محركة : ما وقيت به اللحم عن الأرض من خشب وحصير .